[sam_zone id=1]

فاتن قبيسي|

من يتابع المعركة التي تدور في لبنان مؤخرا حول فيلم “The post” للمخرج ستيفن سبيلبيرغ، يستشعر بأجواء الحرب الأهلية تخيم فوق رؤوسنا. لا مغالاة في هذا القول، امور عدة كانت تشي بذلك: خطابات، نشرات اخبار مدججة بالتحريض، والحلقتان الأخيرتان من “كلام الناس” عبر “ال بي سي اي” و”العين بالعين” عبر “الجديد”. وقد استرجع فيهما بعض الضيوف خطاب الحرب الأهلية، عبر تبادل الاتهامات والتخوين. لا سيما في حلقة خليفة حيث أعاد كل من علي حجازي وناجي حايك تموضعه خلف “متاريس” المعارك السابقة مع الاسرائيلي.. والفلسطيني والسوري..

الامر لم يتوقف هنا، فهناك ايضا جبهة “السوشيل ميديا” المستعرة. تحولت الى “رشاشات” يتقاذف عبرها مؤيدو منع عرض الفيلم مع محبذي عرضه “طلقات” التهديد ( للصالات التي ستعرض الفيلم) والتهديد المضاد.

حتى otv، القناة الحليفة ل”حزب الله”، الداعي لمنع العرض على خلفية دعم المخرج سبيلبيرغ لإسرائيل، وذلك منعا للتطبيع، مارست بدورها لعبة “التحدي” عبر نشرة اخبارية، متهمة فريق المنع بالتخلف.. ما شكل صدمة كبيرة، وخرقا في جدار التحالف!

اما بعد، لماذا كل هذا الصراع فيما صدر قرار رسمي من وزارة الداخلية بعرض الفيلم؟ الامر انتهى. وكل ما يدور اليوم عبر الاعلام اصبح فاقدا للتأثير. الخيار اليوم اصبح في عهدة المواطن، بحكم الامر الواقع. شئنا ام ابينا. اما ان يشاهده واما لا. الفيلم اليوم في السوق اللبنانية، والحملات “المتأخرة” ضده او معه لم تعد تجدي! فعلام نتصارع؟!

التطبيع مع اسرائيل امر مرفوض. ولكن النقاش حول الفيلم يتم غالبا بشكل غرائزي وانفعالي، بعيدا عن المنطق. والا لماذا لا نستفيد من هذه التجربة اليوم لوضع معايير ثابتة حول الممنوع استيراده من الافلام العالمية؟ لماذا لا تعد قائمة جديدة لدى الأمن العام، بأسماء المخرجين وشركات الانتاج المتعاملة مع اسرائيل، ليلتزم بها مستوردو الأفلام؟ هكذا، لا يقع “الكباش” مجددا في لبنان، ولا يتكبد المستوردون واصحاب الصالات والدولة اللبنانية الخسائر، فيما منتج الفيلم- موضوع النزاع- ومخرجه بمنأى عن كل ذلك! فالاجدر هو عدم الاستيراد من الاساس، هكذا المنتج الأجنبي هو من لا يستفيد، وليس الأطراف اللبنانية الثلاثة.

قائمة المعايير تلك مطلوبة اليوم في بلد يعتبر اسرائيل عدوا له، والا كيف منعت الدولة اللبنانية شركة السيارات “فورد” منذ العام 1966 وحتى التسعينيات من الدخول الى لبنان، بسبب افتتاح فرع لها في اسرائيل؟ وكيف استمرت “كوكا كولا” ايضا ممنوعة من الاستيراد لغاية 1989-1990؟

الكل عندها سيصبح ملتزما بسقف القائمة، سقف القانون في مجال شراء الافلام، كيلا يبقى المعيار هنا “غب الطلب”! هكذا لا يُزج المواطن في متاهة الصراع، ولا يُقحم به الى دائرة شكوك الانتماء، فاي مواطن لا يحتاج لناجي حايك او علي حجازي على سبيل المثال ليعرف ما اذا كان خائنا او وطنيا!
.. هكذا لا يجد المواطن نفسه بين “كماشتي” التصنيف السائد: اما احترام الحريات في ظل اتهامه بالتطبيع مع اسرائيل، واما رفضه التطبيع في ظل اتهامه بقمع حرية التعبير!

ولعله من المفارقات ان يقول عباس زهري في برنامج “كلام الناس” انه ينوي مشاهدة “The post” عبر “دي في دي” وليس في السينما! وهنا نسأل الا يفترض بمبدأ المقاطعة ان يكون جذريا؟ الا اذا كانت المقاطعة هي لاصحاب الصالات وليس لصناع الفيلم! الا يفتقد مثل هذا الطرح الى المنطق؟ ليس هكذا حتماً يُدافٓع عن آراء، يعتقد اصحابها انها الأصلح في مواجهة عدو!

 

 

في هذا المقال

شاركنا النقاش