[sam_zone id=1]

فاتن قبيسي|

يصعب عليك ان تبقى على مسافة من مسرحية “الحبل” (كتابة وتمثيل آن-ماري سلامة)، فهي تقحمك في مَشاهدها للتو، تشعر أنك معني بها وأنها تعبر عنك، أو عن أحد في عائلتك أو معارفك من الإناث.. وربما أيضاً من الذكور، ممن خضعوا للتربية القهرية.

وحدها وقفت آن- ماري على خشبة مسرح مونو. ملأت المساحة بحضورها القوي. وحدها شكلت عدة ممثلات. جسدت شخصيات الطفلة والبنت والأم والجدة.. لوّنت أداءها بالصوت والصورة. وتناولت قصة الفتيات اللواتي يخضعن لسلطة أم نرجسية. ثمة حبل تلفه حول رقابهن بدءاً من حبل السرة، وصولاً الى الحبال التي تقيد حريتهن، على الأقل في التعبير، وفي قول كلمة “لا”.

لم تترك آن-ماري مجالاً لفراغ، مونولوج امتد لحوالى ساعة من الوقت وهي تقفز بين جرح وآخر. صرخت، نطقت ملامحها قبل صوتها، تكلم جسدها، بكت، ضحكت من الألم، وتمردت..

روت قصتها الحقيقية بجرأة وبلا قفازات، كتبتها كي تتحرر، وجسدتها على المسرح كي تتنفس الحياة.

وأدار المخرج الدكتور هشام زين الدين العمل المسرحي، مستعيناً بصور وحكايا عدد من المشاهير الذين كانوا يحملون جروحاً نرجسية خلف شهرتهم الكبيرة، محوّلين القمع الى نافذة للإنعتاق والإبداع، أمثال: مارلين مونرو، وآلان ديلون وغيرها..

ولأن المستهدفة في هذا العمل هو الأم المسيطرة تحت قناع الحب والحرص، فإن التعاطي الفني معها ليس بالسهل كونها أمّاً أولاً، لذلك خضع النص لإشراف المستشار في علم النفس الدكتور روجية بخعازي، ليأتي النص الذي كتبته سلامة مدروساً، بعيداً عن الأذى.

الرسائل الإجتماعية- النفسية هي ما يُراد إيصاله هنا، وقد كانت آن-ماري سلامة أمينة في ذلك من خلال عمق الأداء وتوازنه. الأمر الذي لم يستدعِ سوى ديكور بسيط قوامه شاشة في الواجهة وعدد من الحبال فقط، كحبل المشنقة، وحبل المرجوحة، وحبل السرة… ولكن كان الأجدر بالنص أن يمارس لعبة التشويق قليلاً، أو أن ينحو منحى التصاعد الدرامي، في حين أنه كان أشبه برسالة بوح تسير بإيقاع متشابه طوال العرض، وإن كانت هذه الرسالة وجدانية ومؤثرة.

ويُحسب لصناع المسرحية أولاً حسن إختيار الموضوع لتقديمه في إطار مواجهة جريئة مع الأم ومع الذات، في ظل شيوعه في بيئات اجتماعية عدة قلما يتم البوح فيها وعنها، وثانياً حسن إختيار العنوان المزدوج: “الحبل”، سواء بفتح الباء أو كسرها، أي سواء برفض “الحبَل” بأنثى من الأساس، ليكون ذلك أول صفعة تتلقاها بطلة المسرحية من والدتها، أو بالحبِل الذي يكبلها طوال سنوات.. ليسلبها حريتها ومغزى حياتها.

وأخيراً، “الحبل” عمل يكرّس آن- ماري سلامة كممثلة لبنانية دخلت مرحلة النضج الفني بإمتياز.

في هذا المقال

شاركنا النقاش