في سياق درامي رمضاني غالبًا ما تحكمه القوالب الجاهزة، برز “النويلاتي” كعمل سعى إلى إعادة تركيب البيئة الشامية ضمن رؤية غير تقليدية، تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتستثمر في ثقل المكان والزمان بوصفهما حاضنة للصراع لا مجرد خلفية له، على صعيدي المضمون الدرامي والسرد البصري معاً.
في المكان، نجح النص، ولاحقاً الصورة، في توظيف حرفة النول داخل حي دمشقي، وما يرتبط بها من إنتاج الحرير، كاستعارة ممتدة لفكرة النسج: نسج العلاقات، ونسج الأكاذيب، ونسج المصائر، في استعارة فنية من تاريخ العاصمة السورية التي تميزت أحياؤها بصناعة الحرير، لا سيما القيمرية التي رفض أهلها تاريخياً عروض فرنسا للانتقال إلى لبنان مع صناعتهم.
وفي هذا السياق، لم تقدّم “النويلاتية” كحيّ تقليدي، بل كمنظومة مغلقة تحكمها توازنات دقيقة بين شيوخ الكار، حيث تتداخل السلطة الاقتصادية مع الرمزية الاجتماعية. ومن هنا، اكتسب الصراع بعدًا يتجاوز المنافسة الفردية، ليصبح صراعًا على المعنى: من يملك الشرعية؟ ومن يحق له تمثيل الجماعة؟
وسار “النويلاتي” معتمدًا على حبكة متشعبة تنطلق من ماضٍ مثقل بالخيانة، يتمثل في حكاية “الغواص”، لتتفرع إلى شبكة علاقات معقدة تتقاطع فيها المصالح والرغبات، وصولاً إلى الخاتمة التي جاءت محمّلة بدلالات تتجاوز الحدث المباشر. الحلقة الأخيرة لم تُبنَ على ذروة صاخبة بقدر ما قامت على تفكيك تدريجي لمراكز القوة، حيث تتهاوى الشخصيات تحت وطأة خياراتها. سقوط “صلاح الجميلي” لم يكن مجرد نهاية لخصم، بل انهيار نموذج كامل من السلطة القائمة على الجشع والعنف، وهو ما تجلّى بوضوح في لحظة تسميم زوجته، التي عكست أقصى درجات التدني النفسي والأخلاقي.
ومن اللافت أن النهاية لم تغلق جميع المسارات بقدر ما أعادت ترتيبها. لم يُقدَّم “الغواص” كمنتصر تقليدي. خروجه من “النويلاتية” برفقة ابنته، بعد انكشاف أسراره، يشي بأن النجاة هنا ليست انتصارًا، بل انسحابٌ مشوب بالخسارة. هذا الخيار الدرامي يحرر الشخصية من نمط البطل المطلق، ويضعها في مساحة أكثر إنسانية، حيث يدفع ثمن ماضيه حتى النهاية.
أما التحول الأبرز، فتمثّل في صعود “حسنا” إلى موقع مشيخة الكار، في مفارقة تحمل دلالة عميقة على إعادة توزيع السلطة داخل هذا العالم الذكوري. هذا التحول لا يُقرأ فقط كحدث درامي، بل كإشارة إلى تبدّل البنية الاجتماعية ذاتها، حيث تنتقل القيادة إلى شخصية عانت التهميش، لتصبح مركز الثقل الجديد في السوق، ربما لأنها من أهل الحي الأصليين.
أدائيًا، حافظ العمل حتى حلقاته الأخيرة على تماسكه، حيث واصل سامر المصري تقديم شخصية “الغواص” بعمق إنساني واضح، فيما عززت ديمة قندلفت حضور “خولة” كشخصية تحرّك الأحداث من خلف هدوئها الظاهري، ليشكلا مع محمد حداقي بشخصية “أيوب” ثلاثيًا تميز بنكهة خاصة جمعت بين الطرافة والجدية غالباً. أما فادي صبيح، فقد نجح في إيصال شخصية “صلاح” إلى ذروتها التراجيدية، مستثمرًا التحولات النفسية التي مرّت بها الشخصية، وصولًا إلى حالة بين “العته” والجنون.
إخراجيًا، بقيت الصورة عنصرًا حاسمًا في بناء المعنى، مع استخدام واعٍ للإضاءة والتكوين، خصوصًا في المشاهد الليلية التي عكست انكسارات الشخصيات. كما لعبت الموسيقى دورًا في ضبط الإيقاع العاطفي للنهاية، من دون الوقوع في فخ المبالغة.
لا يخلو العمل، بطبيعة الحال، من بعض الملاحظات، كالتفاوت في إيقاع بعض الخطوط الدرامية، أو الميل إلى المباشرة في بعض الحوارات، إضافة إلى تسارع نسبي في حسم بعض العقد في الحلقات الأخيرة. إلا أن هذه المآخذ لا تنتقص من مجمل التجربة.
في المحصلة، قدّم “النويلاتي” نموذجًا لعمل رمضاني استطاع أن يوازن بين الجاذبية الجماهيرية والاشتغال الفني، مستندًا إلى ديكور ضخم شكّل بيئته الحية رغم الحريق الهائل الذي تعرض له أثناء التصوير، ونص حاول أن يقرأ التاريخ بوصفه مرآة للحاضر. أما خاتمته، فنجحت في تجاوز منطق الانتصار والخسارة التقليدي، لتطرح رؤية أكثر تعقيدًا: حيث لا أحد يخرج منتصرًا بالكامل، ولا أحد ينجو من أثر ما “نسجه” بيديه.


شاركنا النقاش