إبراهيم حوماني |
قدم مسلسل “المحافظة 15” (كتابة كارين رزق الله، إخراج سمير حبشي، إنتاج مروى غروب) تجربة درامية قريبة جدًا من وجع الناس، نتيجة تناوله حقبة الوجود السوري في لبنان، والتحكم فيه كبلد منزوع السيادة على مدى سنوات طويلة، وذلك انطلاقأ من حادثة تحرير “فؤاد” (يورغو شلهوب) وزميله “خالد” ( حسن خليل) من سجن “صيدنايا”، اثر سقوط النظام السوري.
المسلسل لامس الواقع حدّ القسوة، وطرح أسئلة موجعة عن الأمل والانكسار، عاكساً واقعاً اجتماعياً وسياسياً مأزوماً بصدقٍ لافت، مختارا نهاية صادمة، ولكنها واقعية، اذ يصعب التحرر من تداعيات تلك الفترة السياسية الا بدفع اثمان باهظة في الماضي والحاضر، انتهت بجنون “منية” النائبة التي تعاملت مع النظام السوري في اعمال غير مشروعة تحت الضغط والاكراه، كما انتهت بقتل حبيبها “فؤاد” الذي لم تعطه الحياة فرصة اخرى للعيش بسلام، بعد 28 عاماً من التعذيب قضاها في أخطر السجون في سوريا.
«المحافظة 15»: عودة قوية لكارين رزق الله ويورغو شلهوب

انطلق المسلسل بقوة منذ حلقاته الأولى، فشدّ المشاهدين بواقعيته وجرأته في مقاربة تفاصيل الحياة اليومية. لكن مع تقدّم الحلقات، طغى التركيز على الحوارات على حساب تطوّر الحبكة، ما خلق إحساساً بالتكرار، والذي تجلى ايضاً بقوة في طبيعة علاقة خالتي “فؤاد” المتذبذبة مع “نغم” (نور غندور) وحواراتهن الثلاثية المتكررة. هذا التباطؤ أضعف ديناميكية السرد، رغم احتفاظ العمل بروحه الواقعية.
ولكن رغم ذلك، حافظ النص على صدقه وقربه من نبض الشارع، وقدّم شخصيات حيّة تعكس تناقضاتنا اليومية. كما منح الحوارات العميقة العمل بُعدًا إنسانيًا واضحًا، جعل ارتباط المشاهد بالشخصيات مستمراً حتى في لحظات التراجع، لتستعيد بعد ذلك الحلقات الأخيرة شيئاً من نبض السرد وروحه التشويقية..
قوة العمل الأساسية تجلّت في الأداء التمثيلي. قدّم يورغو شلهوب شخصية “فؤاد” بعمق مؤلم وصادق؛ رجل يحب وطنه حدا كبيراً، ويرى في المرأة التي يحبها وطنه الوحيد. أما كارين رزق الله في دور “منية”، فقدّمت شخصية مركّبة تنقل صراع الإنسان مع واقعه وانكساراته. وشكّل نزيه يوسف مفاجأة مميّزة بدور “عمر”، إذ خرج من صورته النمطية التي لطالما عرفناه بها في “عيلة عفرد ميلة” ليقدّم أداءً مختلفًا ومقنعًا.
عودة بحجم الغياب.. يورغو شلهوب يخطف الأنظار في «المحافظة 15»

أما النهاية التي جاءت واقعية رغم قسوتها، فإنها تعبّر عن بلد يستهلك أبناءه. وقد جسّدت “منية” جيلًا آمن بالتغيير وتمسّك بالأمل، قبل أن ينكسر تحت وطأة الواقع. لم تغيّر “منية” البلد، بل البلد هو من غيّرها… حطّمها وقضم احلامها، لتنتهي إلى الجنون، في صورة تختصر خيبة جيل بأكمله. وفي المقابل، جاءت نهاية “فؤاد” المأساوية بعد مقتله وهو يحاول الهروب مع “منية” لبدء حياة جديدة، لتؤكّد أن الحب وحده لا يكفي في مواجهة هذا الواقع. كذلك، تنتهي قصة “نغم” و”خالد” بالفراق، مع عودة الأخير إلى بلده سوريا للبدء من جديد.
في المحصلة، “المحافظة 15” عمل صادق ومؤلم، أصاب في مضمونه رغم بعض عثراته، وترك أثرا عميقاً وثقيلًا في نفوسنا، يشبه واقعنا تماماً.
- مسلسل “المحافظة 15” يُعرض على الموقع الإلكتروني لقناة MTV.
نرشح لك:
«المحافظة 15»: عودة قوية لكارين رزق الله ويورغو شلهوب
عودة بحجم الغياب.. يورغو شلهوب يخطف الأنظار في «المحافظة 15»
شاركنا النقاش