[sam_zone id=1]

فاتن قبيسي|

كقطعة قماش حاكتها يد مثابرة وروح صابرة حبكةً حبكة، هكذا يمكن وصف فيلم “مورين” الذي صُنع لقطة لقطة. وهو الفيلم الذي اطلق امس في صالات السينما اللبنانية، بعد عمل استمر لثلاث سنوات.

يحمل الفيلم الذي كتبه واخرجه طوني فرج الله نفسا طويلا في اسلوب التناول. لا شيء هنا متسرعاً. التفاصيل مدروسة، والمشاهد منسوجة، وبعضها يشكل لوحات فنية لجهة اسلوب التقاط المشهد، بناء على مواءمة بين الجغرافيا والتاريخ.

“مورين” الذي يروي سيرة قديسة لبنانية تنكرت بزي شاب، لتعيش في الدير وتنذر نفسها لخدمة الرب، لا بد انه يحمل رهانا صعبا هذه الايام. ففي وقت تغزو فيه صالات العرض الافلام التجارية، يحاول الثنائي المخرج فرج الله وزوجته الفنانة تقلا شمعون خوض مغامرة من خلال فيلم تاريخي ديني بكلفة انتاجية عالية من خلال شركة “Spirifilm”، فيما نفذت الانتاج “الأكاديمية اللبنانية للسينما” التي يملكها فرج الله وشمعون.

ليس سهلا ان ينقلك فيلم الى العهد البيزنطي، او على الاقل ان يقنعك على مدى قرابة ساعة ونصف انك تعيش ذاك الزمن البعيد كأنك عايشته يوما، تألفه نظرا لعناصر المشهد التي تقوم على قوة الاقناع. لقد تم استحضار تلك الحقبة من خلال الصورة المتخيلة لدى المخرج، والتي نجح بدأب في تكوين تفاصيلها، بدءا من اختيار الامكنة التي تخدم النص، ومعظمها في وادي قنوبين، واعادة تشكيل اجواء الاديرة والكنائس وفق مواصفات مرحلة تاريخية محددة، واستعادة طقوس الرهبان ونمط حياتهم وقوانينهم الخاصة، وصولا الى الملابس والاكسسوارات.

وليس بسيطا عملية توليف المكان مع الزمان، بمعنى تحيّن فرص تساقط الثلوج في مناطق نائية او على مرتفعات جبلية لتصوير مشاهد معينة، وبعضها لا يخلو من صعوبة بطبيعة الحال، خصوصا المشهد الذي ادته البطلة كارمن بصيبص (بدور مورين) اثناء سيرها وفي حضنها طفل رضيع على مرتفع جليدي.

المشاهد التي اتسم غالبها بالواقعية، تعززت من خلال اداء الممثلين الذي استند بمعظمه الى “كاستينغ” موفق، باستثناء الممثل الذي ادى دور الشاب “ليبنون” الذي لا يتماشى اداؤه مع مستوى الاداء العام في العمل. ربما لكونه اساسا مدير تصوير. اما  بصيبص فقد نجحت في البطولة السينمائية الاولى لها، كما اجاد الفنان منير معاصري بدور خوري الكنيسة وجدّ (مورين) الذي رباها بعد وفاة أمها وهروب والدها إلى الدير، وكذلك الامر بالنسبة الى الفنانة القديرة تقلا شمعون، وحسن فرحات، ومنير كسرواني، وسمارة نهرا، والطفلة كلويه ناجي نهرا وغيرهم. كما تألق في العمل الفنانان غسان مسعود وأويس مخللاتي من سوريا.

العمل استند الى هيكلية مدروسة، فهو ليس مثقلا بالحوارات، بل ان الصورة وحدها تلعب دور البطلة احيانا، في ظل حسن اختيار الموسيقى التصويرية الملائمة لهذا النوع من الافلام التاريخية ببعدها الروحاني.

ربما يملأ هذا الفيلم فراغا ما في عالمنا المادي الطاغي، وربما يشكل نموذجا متقنا من الافلام البعيدة عن الاستهلاك السائد، ولكن الاكيد ان “مورين” يترك اثرا مضاعفا في وجدان المؤمنين.. من المشاهدين.

صورد

في هذا المقال

شاركنا النقاش