[sam_zone id=1]

فاتن قبيسي|

من النادر جدا أن تتابع مسلسلا تلفزيونيا، وأن ينجح في اصطيادك فعلا، ويجعلك رهين انتظار حلقاته الجديدة، كما يفعل المسلسل التركي “الحب الأعمى”، الذي تعرضه قناة “الجديد”. لعلها تراهن عليه في شهر رمضان بعدما تخطى عدد حلقاته اليوم المئة والثمانين، لتخوض به المنافسة الحامية المرتقبة. والرهان نابع من نسب المشاهدة العالية التي يحصدها.

العمل التركي المدبلج (KARA SEVDA) هو من بين أفضل الاعمال التركية. انتاج “شركة قمر للانتاج الفني” (Ay Yapım) . ولا يجاريه الكثير من الاعمال العربية، التي تسنى لنا رؤيتها حتى اليوم.

ليس عبثا نيل هذا العمل جائزة “ايمي” العالمية في العام 2017 كأفضل مسلسل تركي على الاطلاق. الجائزة الاولى من نوعها في الدراما التركية. كما تمت دبلجته الى العديد من اللغات في بعض دول العالم. تتضافر عناصر نجاحه من كتابة وإخراج وتمثيل. والفضل الأكبر هنا للكتابة. قدمت كل من اوزليم يلماز وبورجو جوركون السيناريو على نحو من التمرس العالي والتجدد الدائم. صحيح ان الحكاية مرتكزة الى قصة حب متعثرة بين كمال (باراك اوزجيفيت) ونيهان (نسليهان أتاغول)، ولكن السياق العام مرتبط بسيل من الأحداث التي لا تتوقف. كل حلقة تتضمن أحداثا جديدة تقوم على الخطط والمكائد، في اطار القصة الرئيسية التي تغلف العمل ككل، لا مراوحة ولا تطويل مجاني. الدقيقة التلفزيونية هنا لها ثمن، وكل حلقة لها قيمة.

مسرح الأحداث يبدو كلوحة شطرنج بين ايدي الكاتبتين. كل نقلة لبيدق هنا، تقابلها نقلة لبيدق آخر هناك.. لا إهمال لأي تفصيل. بل ثمة استثمار لكل شاردة وواردة. انهما متيقظتان دائما، ويحثانك على التركيز. لكل حلقة حبكتها الصغيرة، (في اطار الحبكة العامة). والأحداث غنية ومترابطة. لا انتظار طويل هنا لمعرفة الخافي. بل ان كل حلقة تحمل أسئلة جديدة وإجاباتها معا، في لعبة تشويق تتجدد باستمرار.

لذا يعيش المشاهد مع العمل لذة الفضول والاكتشاف معا. تقنية “الفلاش باك” المعتمدة للزمن القصير، تجلي الغموض المتوالد باستمرار مع توالي الاحداث. وركيزتها لعبة التحدي والانتقام المتبادل بين “كمال” حبيب ” نهيان” وزوجها “أمير” (كان أورغانجي أوغلو) الذي تزوجها عنوةً عبر لعبة ابتزازية وضيعة.
لعبة كَر وفر، يحكمها الدهاء ودقة التخطيط في تصويب كل طرف على الآخر.

وفيما يحمل “الحب الأعمى” طابعا رومانسيا واجتماعيا، الا أنه مشحون بالأكشن والنفَس البوليسي التشويقي، بالاضافة الى الجريمة وبسط النفوذ. كل هذه الخلطة تشد أزر المسلسل، وتجعل المشاهد مشدودا اليه، بلا انقطاع.

ويفضح العمل لعبة الكبار في تجاوز القانون، والتأثير على القضاء، وشراء الذمم. وفي ذلك تجرؤ على القضاء التركي. أمثال هؤلاء المتجاوزين موجودون في كل مكان، وتركيا ليست مستثناة بطبيعة الحال.

وعلى خلاف الشائع، يقدم “الحب الأعمى” نموذجا مقنعا للأعمال الدرامية الطويلة، علماً ان الشركة المدبلجة للعربية ( ايه بي سي للانتاج الفني والتوزيع) ضاعفت عدد الحلقات التركية ال 74 بمقاييس العرض على شاشاتنا، الا ان ذلك لم يقتل روح التشويق في الحلقات القصيرة المعروضة، علماً أن تفويت أي حلقة يؤدي الى فقدان بوصلة ما.

هذه الخصائص نفتقدها في كثير من مسلسلاتنا. حيث يمكن بسهولة تامة القفز فوق حلقات معينة، ليتم بعدها استئناف المشاهدة، وكأن شيئاً لم يفتنا. كما يهبط إيقاع الأحداث بعد عرض الحلقات الأربع أو الخمس الاولى. حيث التطويل المجاني. وحيث الحبكة تكون غالبا مفقودة، أما العقدة الاساسية فلا تفك الا مع إسدال الستار على الحلقة الاخيرة.

وبقدر ما كان السيناريو متقناً في “الحب الأعمى”، أبدعت المخرجة هلال سارال في عملها. وهي التي اشتهرت بأعمالها ومنها “فاطمة” و”العشق الممنوع”. كما برع الممثلون بغالبيتهم – ولكل منهم خط درامي متقن- وإن جاء أداء المتصدرين الثلاثة (اوزجيفيت وأتاغول واوغلو ) ساحراً.

في هذا المقال

شاركنا النقاش