طارق سويد في برنامجه الجديد.. هذا “مطرحك”

فاتن قبيسي|

ليس صحيحا ان “الرايتينغ” الذي تتسابق عليه الشاشات في لبنان يرتكز بالضرورة على البرامج الخادشة للحياء، وليس صحيحا انه محكوم غالبا بالافكار المستوردة. هذا على الأقل ما اثبتته حلقة واحدة من برنامج “مطرحك” التي عرضت على “ال بي سي اي” ليلة الميلاد!

فكرة البرنامج محلية بامتياز، وتعود للإعلامي والممثل طارق سويد. وتلعب على الوتر الإنساني- الوجداني- الاجتماعي، بعيدا عن الابتذال المنتشر كعدوى وبائية بين المحطات.

الفنانة ماغي بو غصن تضع نفسها مكان ريتا. الفتاة الاربعينية ذات الاحتياجات الخاصة، التي تعاني قصرا في اليدين ومشكلة في القدمين تعوقها عن التنقل والحركة. تدخل منزلها، تستخدم كرسيا كهربائيا مماثلا، وأدواتها الخاصة في تسريح الشعر وانتعال الجوربين، وتتعلم طريقتها في تنظيف الأسنان وصنع القهوة.. حاولت بو غصن استخدام ما تسميه ريتا “اليد الثالثة” اي فمها في تناول بعض الحاجيات.. ولكن ذلك كله لم يكن سهلا، بل جاء مصحوبا بالالم والغصة، وأحيانا العجز. لم تتمالك بو غصن نفسها، ضعفت أمام ريتا، استسلمت امام صمودها، وبكت امام فتاة صنعت من الضعف قوة ليس سهلا مجاراتها.

ليس مبالغا القول بان ريتا كانت بمثابة القائدة في الحلقة، وليست حلقة الضعف. وكانت معلمة يستلهم منها الدروس. فهي لم تلق اي اهتمام رسمي، كغيرها من الحالات المشابهة، وهي التي ابتاعت شقة بالتقسيط، حتى لا تتحول عالة على اهلها، كما قالت، وهي التي رفض جيرانها في المبنى استحداث ممر لها ( لذوي الاحتياطيات الخاصة)، “كي لا يشوه مدخله”، وهي التي لم تنصفها البلدية مع جيرانها مقترحة حلاً همايونياً للعبور، عبر كسر حائط شرفتها! وهي التي عانت من مشاكل سابقا مع والدها، لأنه لم يتقبلها كحالة “استثنائية” بين ابنائه! كل هذه المعاناة، خرجت منها ريتا صلبة، مستقلة سكنيا واقتصاديا، تذهب يوميا الى عملها وتعود على كرسيها الخاص، بلا معين ولا مساعد!

عاشت ماغي بو غصن ذروة اللحظات الانسانية مع ريتا، من خلال محاولة التماهي بها، بعيدا عن اي سيناريوهات درامية مسبقة. طغى الجانب العاطفي فيها، وفطنت الى نِعٓم تمتلكها، كانت كغيرها تتعامل معها من باب البداهة، هذا المغزى اريد إيصاله من خلال الحلقة، معطوفا على ضرورة عدم الحكم على الآخرين عن بُعد.. لرفع الظلم والاذية.

غير ان فكرة البرنامج الذي سينطلق رسميا مع بداية العام الجديد، لم تأت بالصدفة. بل انها آتية من تجربة طارق سويد، فقد كان يوما ذلك الطفل الذي توفي والده باكرا، لتقوم والدته بأعباء التربية وحدها: “عرفت الوجع على بكير، تمسخروا علي وقالولي ما فيك..حكيوا عني وما حدا حكي معي.. شفقوا علي وما حدا وقف معي..” هذا ما يقوله سويد في المقدمة الثابتة لبرنامجه. أراد ان ينطلق من وجعه ليقطع الطريق امام اوجاع مماثلة لآخرين. ربما من هنا جاءت شفافية الرسالة، التي ارتكزت على ابعاد ثلاثية دمجت بينها عملية المونتاج بشكل متواز: مشاهد بو غصن بمعيّة ريتا، ومواكبتها من قبل سويد عبر الشاشة في “الاوبيفان”، وتعليقات بو غصن على مراحل التجربة التي مرت بها خلال الحلقة.

لا شك ان تنفيذ هكذا حلقات يتطلب مجهودا كبيرا، وعُلم ان فريق البرنامج، الذي تخرجه جوانا جرجورة، انتهى من تصوير ثلاث حلقات من اصل 13حلقة. اما الحلقتان الأخريان فيشارك فيهما الإعلامي طوني بارود والفنانة ماريتا الحلاني. وتجدر مشاركة بعض السياسيين في البرنامج، للشعور بالحالات الإنسانية، التي لا صوت لها ولا سند! علما ان ثمة حلقات تتناول حالات مختلفة، كأفراد ينذرون حياتهم في سبيل آخرين، وأفراد يقومون باعمال مرهقة تفوق قدرات كثيرين. وقد تكتسي بعض الحلقات طابعا طريفا بعيدا عن الالم والمعاناة.

ولكن يبقى اختيار الشخصيات المشاركة “على المحك”، وكذلك مدى ملاءمتها مع الحالات المختارة. وهذه مسؤولية فريق الاعداد. فالمعيار الأساسي للبرنامج هو الشفافية والعفوية، اما ان يتحول مع بعض عشاق الكاميرا الى مساحة للاستعراض والترويج للصورة، فهنا الوقوع في المطب! وهنا يخسر البرنامج نقطة قوته وجرعة الواقعية فيه. فاللحظة التفاعلية الصادقة هي كل ما يريده المشاهد، بعيدا عن كل ما هو معلب ومبرمج من قبل تلك الشخصيات!

لعل “مطرحك” وفّر لسويد مطرحه الانسب في البرمجة التلفزيونية، فهو التجربة الأنضج في مسيرته، بعد “بالعربي المشبرح” على “او تي في” الذي لم يكن يلائمه، و”الصدمة” على “ام بي سي” الذي حقق عبره نقلة واضحة.

وفيما يجد البعض ان اجواء الحلقة التي عرضت ليلة الميلاد لا تليق بمناسبة فرح. الا ان اعادة اكتشاف جسدنا السليم وأعضائنا الكاملة هو بمثابة عيد فعلي لنا، كمن فطن فجأة الى نعمة عظيمة حباه الله بها. كذلك كانت الإضاءة على تجربة ريتا كفتاة فولاذية، ومنحها حقها المعنوي قبل المادي ( هديتان قدمتهما لها المحطة)، بعد سنوات طويلة من كفاحها الصامت، هى اشبه بعيد حقيقي.. لها ايضا!

(نقلا عن “الاتحاد”)

في هذا المقال

شاركنا النقاش